أسلمة الشذوذ

بعد التحيات و السلامات، أرجو أن تعذُرني عزيزي القارئ على إختياري لهذا العنوان الذي قد يكون خادشاً للحياء و مستفزاً للأبرياء، و لكنني لم أجد لا أنسب و لا أدق من هذا الوصف الذي يعبر عما يحدث حولنا من فوضى أخلاقية و شذوذ فكري أضر بأصحابه و يكاد أن يَضُرنا. إن ما نشاهده حولنا في وسائل الإعلام الإليكترونية من مراهقة متأخرة و شذوذ فكري و أخلاقي يعيشه “البعض” ممن إتخذ اللِحية درعاً و ساتر لنشر الأفكار و الفتاوي التي و إن دلت فإنها تدل على شذوذ “جنسي” و مرض نفسي يعيشونه و يريدون إخراجه للعامه عن طريق فتوى أو تصريح فتنتشر إنتشار النار في الهشيم، و تصبح هذه الفتوى عنوان المجالس و حديث الناس إلى حين. فيخرج لنا من ينادي بعدم جلوس الفتاة لوحدها مع أبيها لكي لا تَفتِنه، و من يُفتي بوجوب تغطية الفتاة (الطفلة) لوجهها إذا كانت مُشتهاه. و الأعجب و الأغرب هو عندما تجد من يبارك هذه الفتاوي و يقف إلى صفها. إننا نعيش حالياً يا سادة يا كرام عصر “شرعنة الشذوذ” و تعميم الأفكار “الحيوبشرية” و التعامل معها على أنها طبيعة إنسانية و سلوك مألوف. بالله عليكم لو سمعنا هذه الخزعبلات تُقال من أشخاص يمثلون الغرب فماذا سيكون رد فعل مجتمعاتهم؟ بل و هل ستقف جمعيات حقوق الإنسان و المؤسسات المهتمة بشؤون الأطفال مكتوفة الأيدي؟ قد يكون هناك حرية رأي و لكن من حق الجميع أن يعترض و يحارب الأفكار المريضة و التي تخالف آدمية الإنسان في صورة حضارية و تحت مظلة القانون التي تُغطي كل فرد في المجتمع بشكل متساوي.

قبل أيام قليلة، قرأت فتوى قديمة انتشرت مؤخراً جعلتني
أستلقي على “قفايَ” من كثرة الضحك على رأي العظيم علي الوردي. كانت تتحدث هذه الفتوى عن تحريم خلوة المرأة بالقرد لكي لا يشتهيها!
أي كان قائل هذه الفتوى فإن توقيت ظهورها من جديد أكمل ما كان ينقصنا من مجموعة الفتاوي الغريبة و العجيبة. فعندما قرأت هذه الفتوى ضحكت.. ثم ضحكت… فكان ضحكي بصوت البُكاء.


يوم في السيرك

قد يكون موضوع اليوم مختلف عن ما سلف كتابته، و لكن عندما نفكر قليلاً في مهنة بسيطة عند الكثير و عظيمة من صاحبها، نجد أننا جميعنا نلعب هذا الدور في حياتنا، مهما أختلفت مهننا و مؤهلاتنا، و مهما تعددت توجهاتنا الفكرية والعقائدية، متشددين كنا أو وسطيين، يساريين كنا أو يمنيين، و مهما أختلفت الدوافع التي جعلتنا نلعب هذا الدور فإننا نؤديه بإحتراف شديد، قد يصدقنا البعض و قد يكذبنا و لكن مهما كانت النتائج فإننا نلعبه. وقفت في حياة هاذا الضاحك الباكي لنرى و نفكر من منا أضحك و من منا أتعس..

وقفت أمام مرآتي لأرسم وجهي بألوان زاهية، مبهجة ومفرحة. وقفت أمامها واضعاً الأحمر والأصفر والزهري سائلاً نفسي، أقادر أنا على اضحاك كل الجموع المنتظرة بالخارج؟ أقادر أنا على نسيان كل همومي و أسعدهم، أقدري هو أن أهتم بسعادة كل الذين أتوا ليروني، مع كل هذا لأحد يهتم بما أحس بما أشعر. خلعت ملابسي لأرتدي ملابس عملي، خلعت حزني و همومي لأرتدي البهجة والضحكة المرقشة بأحلى الألوان. خلعت عبوس وجهي لأرتدي الإبتسامة المشعة التي تظهر جمال أسناني، وخرجت لأقابل الجماهير التي حضرت لمشاهدة عرضي، إقتحمت محيط أبصارهم بحركاتي و ألواني الزاهية، بدؤا في التصفيق و أصواتهم تعلوا و تعلوا بصفافير التحية والترحيب بحضوري. أخذت أبدأ فقرتي بالضحك والتحيات و رحت أمامهم لأقفز و أطير عالياً من السعاده كعصفور صغير يتعلم الطيران، مع كل شقلبة أفعلها يلتهب حماس الأطفال والكبار، مع كل نكته أحكيها أسمع ضحكاتهم الرنانة تملأ كل المكان، مع كل لعبه أو أحجية أخرجها من حقيبتي العجيبة أامتع الحاضرين و يتزايد تصفيقهم و أسمع هتافهم بأسمي، و أرى وجوهم متلهفه و متشوقة لرؤية المزيد و المزيد من غرائبي.

فجأة اكتشفت أن فقرتي انتهت وعلي الرحيل..لقد مر الوقت بسرعة و أنا لم انتهي بعد، مازال في جعبتي الكثير والكثير لم أخرجه  ولكن هذا قانون السيرك للبهجة والضحكة وقت. ودعت جمهوري و و أنا في طريقي لتركهم، لم يكفوا عن التصفيق والهتاف حتى بعد أنا غادرتهم بلحظات. رجعت إلى غرفتي و وقفت أمام مرآتي. غسلت وجهي و مسحت ألواني الزاهية، خلعت بهجتي و أرتديت حزني من جديد، تركت كل جمهوري ورائي.  بالرغم من كمية التصفيق والإهتمام حين دخلت عليهم نسوني تماماً وراحوا يستمتعون بفقرة الأسد المفترس. لملمت أغراضي لأرجع منزلي، لأرجع لحياتي القاسية القاتمة، على موعد مع جمهور جديد ينتظرني و ينتظر إسعادي له، لأني لست في هذا العالم سوى مهرج سيرك.


نحن قوم فينا جاهلية

تابع الكثير منا المتسابقتان السعوديتان، وجدان شهرخاني و سارة عطار اللتين شاركتا في أولمبياد لندن بأعين ومشاعر مختلفة، فهناك من شجع و آزر و هناك أيضاً من شتم وقذف ! قد يستغرب البعض من إختلاف المشاعر وتناقضها، ولكن هذا هو حال مجتمعنا الذي أصبح يتلذذ بالقذف و الشتم العنصري كلما حانت الفرصة.

بلا شك هذه الأنواع من التصرفات و إن دلت فإنها تدل على ضعف الثقافة و سوء في التعليم، وبالتالي تنعكس هذه الخلفيات الهشة على المجتمع فتبدأ بإقصاء وتكفير وتخوين كل مخالف ومختلف.

 إن الهجمات الشرسة التي خصت وجدان وسارة تدل على أننا نمر بأزمة وطنية حقيقية كانت مكبوتة وخاملة ولكنها سرعان ما تبدأ في التفاقم والخروج على السطح مع كل جدال أو حدث يمر به الوطن، فيصبح كل أطراف القضية عرضة لأقسى أنواع الألفاظ و أبشع كلمات القذف العنصري، ليس هذا فحسب و لكن يصل التشكيك في الإنتماء الوطني بل وأيضاً إلى حد الإتهام في الخروج عن العقيدة و الدين.

 المتابع لمواقع الشبكات الإجتماعية ” فيسبوك ” و ” تويتر ” يفهم تماماً ما أقصد من كل هذا المقال، ويعرف جيداً حجم الشحن والعنصرية التي يعيشها أبناء الوطن الواحد. لقد كان تويتر السعودي في قمة القبح والدناءة، فمجرد قراءتك لبعض التغريدات تشعرك كم نحن بعيدين عن أخلاق الإسلام وتعاليمه التي نتغنى بها ليل نهار. والعجيب في الأمر أنك تجد أن بعض الإتهامات والشتائم تصدر من أشخاص برزت في سيماهم وصورهم التقوى ” المزيفة ” التي سرعان ما انكشفت و اختفت و ظهر مكانها الجهل والقبح. فالمتابع لكل هذا الكم الهائل من التعليقات العنصرية والشتائم القاذفة يدرك تماماً أننا بالفعل نعيش مشكلة مجتمعية حقيقية يجب تداركها و احتوائها قبل أن تتفاقم و يصبح من الصعب السيطرة عليها.

 علينا أن نعترف أننا نعيش حالة من الهمجية و سوء الأدب، لأننا أصبحنا نقذف ونشتم بعضنا على أقل الأسباب و أسخف الإختلافات، ونصل بالإفتخار بالقبيلة والعرق إلى حد الإنتقاص والتقليل من جميع العوائل والقبائل في جميع المناطق أو من مناطق معينة. لذا أصبح من الضروري إصدار قانون يحمي المواطن من جميع أشكال الإتهامات والشتائم العنصرية بل وحتى التعويض عن الأضرار النفسية التي يخلفها هذا النوع من التعدي الهمجي على المواطن، فحبي لهذا الوطن وترابه يوجب علي مناشدة أعضاء مجلس الشورى بطرح هذه القضية والبت في إصدار قانون لنبذ ” العنصرية ” بشتى انواعها و تطبيق أشد العقوبة على كل من يرتكب هذا النوع من الجرائم كائناً من كان، فتكرار هذه الجرائم و تفاقمها حتماً سيضر و يدمر الترابط و الإحساس الوطني الذي يجب أن يتوفر بين أفراد الوطن الواحد.


مصر تحدثت عن نفسها

و أخيراً قال الشعب كلمته، بعد سلسلة من التعديلات و الإعادات و التأجيلات. قال الشعب كلمته و أنتخب الدكتور محمد مرسي مرشح حزب الحرية و العدالة “الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين” كأول رئيس مدني للجمهورية الثانية لدولة مصر العربية. أُنتخب مرسي في جولة الإعادة بعد منافسة شرسة مع الفريق أحمد شفيق المرشح المستقل و آخر رئيس وزراء قبل تنحي محمد حسني مبارك.

لقد كانت مرحلة الإنتخابات مرحلة شديدة الصعوبة و الحساسية و تحديداً عندما أصبحت ثورة 25 يناير قاب قوسين أو أدنى من النجاح. لقد كسب مرسي شفيق بفارق ضئيل من الأصوات. نجح مرسي نجاحاً متعسراً بعد أن ألتحمت معه أغلب التيارات السياسية و الثورية و جموع المصريين الذين نسوا جميع الخلافات و النزاعات و تذكروا فقط مصر و ثورة الشعب العظيمة. نجح مرسي على الرغم من حملة إبطال الأصوات و الإمتناع عن التصويت لتسجيل رفضهم على نتيجة جولة الإعادة و حصرها بين هاذين المرشحين. نجح مرسي رغم حصول شفيق على قرابة 12 مليون صوت، مؤيدة كانت لشفيق أم خائفة من حكم الإخوان المسلمين. نجح مرسي رغم حل البرلمان الذي كانت الأغلبية فيه لحزب الحريه و العدالة. نجح مرسي رغم الإعلان الدستوري المكمل المقيد لصلاحيات الرئيس، فأحس الشعب أن ثورتهم بدأت تُسلب تدريجياً من قبل المجلس العسكري الذي بالغ في العشوائية السياسية و تعمد على كسر روح التحرير.

نجاح مرسي طرح العديد من الأسئلة و فرض الكثير من التحديات، قد يكون عامل الوقت الذي رأس مرسي مصر خصوصاً أن الثورة مازالت تصارع أعدائها، فإتمام نجاحها هي مسؤولية مرسي و حزبه الذي أخلف الوعود و إبتعد عن الميدان عندما ضمن البرلمان، و بدأ في السيطرة بحجة الغلبة البرلمانية. و لا ننسى أيضاً تصريحات الحزب بعدم التقدم بمرشح رئاسي. كل هذه الأحداث و التصرفات التي أحدثت بلا شك إنخفاضاً ملحوظاً في شعبيتهم على الشارع المصري الذي تفاجأ بأقوال تخالف الأفعال.

التحديات و الصعوبات:

يواجه الرئيس محمد مرسي العديد من التحديات و الصعوبات على أصعدة و إتجاهات متعددة والتي تجعل مهمته صعبة جداً ولكن ليست مستحيلة و يمكن تلخيصها و حصرها على عدة مستويات:

1-      المستوى الشعبي:

يكمن حل هذه المشكلة في طمأنة جميع أطياف المجتمع المصري، من لم ينتخبه قبل من انتخبه. على مرسي أيضاً أن يفهم أنه كان الأمل الأخير لإنجاح الثورة. فعليه هو وحزبه عدم إعادة الأخطاء الكارثية التي أفقدت حزب الحرية والعدالة الكثير من مصداقيتها على المستوى الشعبي. فمن الواجب أن تكون روح الثورة و مطالبها هو مصدر التشريعات و المنطلق الأساسي للحكم، و أخيراً التأكيد على مدنية الدولة الذي يمثل الهاجس الأول لدى الكثير من المصريين.

2-      المستوى السياسي:

محمد مرسي تواجهه مهمة صعبة في موائمة جميع التيارات السياسية و تقريب توجهاتها و صقل مطالبها في خدمة الوطن قبل أفكار و رؤى الحزب. لذلك يتوجب عليه طمأنة الأحزاب و التيارات السياسية بتعيين “حكومة الثورة” و هي التي تضم جميع التيارات و صرف النظر عن فكرة “المغالبة لا المشاركة” التي سادت في الإنتخابات النقابية، البرمانية، مجلس الشورى بل و طالت أيضاً الجمعية التأسيسية للدستور.

 

3-      المستوى الرئاسي:

الرئيس الجديد الآن في مرحلة ” إثبات الذات” أمام المجلس العسكري و الشعب. فمرسي يحمل على عاتقه أعباء الإنتقال السلمي الكامل للسلطة من المجلس العسكري إلى الرئيس المدني المنتخب. فيجب إيجاد طريقة فعَاله لإكتساب أو نزع حقوق الرئيس كاملة كما ينص عليه القانون، و كما هو متعارف عليه في أي دولة تؤمن أن الديموقراطية هي الحل و أنَ الشعب هو مصدر السلطات. ستكون الخطوة الأولى في هذا المشوار بالمطالبة بتعديل مواد الإعلان الدستوري المكمل الذي قيد صلاحيات الرئيس نسبياً.

 

4-      المستوى الدبلوماسي ( العلاقات الخارجية):

ملف العلاقات الدبلوماسية هو ملف حسَاس جداً خصوصاً على المستوى (المصري- العربي) أو على المستوى (المصري- الإسرائيلي) فالجميع يترقَب وِجهة ربَان مصر الجديد و كيف هي رؤيته أو رؤية حزبه في التعامل مع القضايا الخارجية أو مواقفه تجاه الأزمات الدولية الراهنة. فكما نعرف أن الحزب ينتمي إلى التيار الإسلامي، و له آراء واضحة تجاه القضية الفلسطينية بالتحديد، بالإضافة إلى مواقفه تجاه الإتفاقيات التي أُبرمت بين مصر و إسرائيل، و هذه الإتفاقيات بالتحديد هي محط إهتمام واشنطن و تل أبيب. أما على المستوى العربي و (الخليجي) بالتحديد فيجب على مرسي التوضيح بشأن علاقة جماعة الإخوان المسلمين بالنظام الإيراني و ما هي حيثيات العلاقات الثنائية بين مصر و إيران بعد فوز مرسي، بالإضافة إلى موقف مصر من برنامج إيران النووي الذي هو مصدر قلق كل دول المنطقة وهو أيضا من أقوى أسباب الغيمة السوداء التي تشوب العلاقات (الإيرانية- الخليجية) يليها دعم إيران لنظام (الأسد) الذي فقد شرعيته الشعبية ومازال يقتل و يدمر إلى هذه اللحظة. لذلك يحتاج مرسي إلى التصرف بحكمة و نضوج سياسي تجاه هذه الملفات بالتحديد، و الإبتعاد عن الرعونة السياسية و الشعارات التي لا جدوى منها فالتصريح كمعارض ليس كالتصريح (كرئيس).

5-      المستوى الإقتصادي:

إن الإقتصاد المصري يواجه تحديات كبيرة و معقدة. بعضها مرتبط بأحداث الثورة و نأخذ  مثلا الإنخفاض الكبير في تموين المواد النفطية ( بنزين- غاز) بالإضافة إلى الإرتباط بالأزمة الإقتصادية العالمية و نأخذ مثلا الإرتفاع الكبير في أسعار السلع الغذائية و لا ننسى أيضا عزوف الأموال العربية عن دعم الإقتصاد المصري نتيجة لتدهور الوضع السياسي. و لا ننسى أيضاً التدني الكبير في عوائد مجال السياحة أحد أقوى الركائز القومية الذي يرتكز عليها الإقتصاد المصري. إنعاش الإقتصاد المصري يتطلب خطوات كثيرة أسرعها جلب و إغراء الأمول العربية بالعودة إلى مصر لتنتعش روح الإقتصاد, بالإضافة إلى إقامة تسهيلات إستثمارية لرجال الأعمال المصريين الذين غادروا مصر هرباً من تدهور الأوضاع.

- الدستور:

ليس من العيب أن نخطئ و لكن العيب هو عدم إدراك الخطأ و تصحيحه، إنشاء دستور جديد كان من المفترض أن يكون الشاغل المصري الأول بعد سقوط نظام مبارك. لكن العبث السياسي الذي مارسه المجلس العسكري حال دون ذلك. فإقامة الإستفتاء الدستوري ” المشؤوم” في مارس 2011 و الذي انتهى بتصويت الأغلبية على “ترقيع” الدستور القديم. و مازالت مصر تعاني من تبعات هذا الإستفتاء حتى الآن. الدستور هو الأساس الراسخ المتين لبناء أي وطن بطريقة سليمة و ثابتة، وهو أيضاً العقد الذي يجمع المجتمع بكافة أديانه و أطيافه، و يحوي فيه أيضاً أحلام و آمال كل فرد من أفراد الوطن الواحد، نساء كنَ أم أطفالا، شيوخاً كانوا أم شباباً، بسطاء أو أغنياء، عمال أو رجال أعمال، فلا يستثني طائفة و لا يُبَدي قبيلة أو عائلة. الجميع سواسية تحت مظلة الوطن. مرسي و حزبه عليهما أن يفهما أن اللجنة التأسيسية للدستور يتوجب أن تحتوي جميع أفراد المجتمع، بكافة فئاته و ممثليه، فلا إقصاء و لا إستبعاد ولا غلبة لحزب أو مدرسة فكر معينة. ليشعر كل مواطن أن هناك عقداً بينه و بين وطنه يلزمه بواجبات و يجعل له حقوق مشروعة.

-  لقد قامت ثورة 25 يناير على أساس العدل والديموقراطية. و لتقوم الديموقراطية يجب على الجميع إحترام الفائز و قبول الخسارة أياً كانت، لأنها في الأول و الأخير هي خيار الشعب. فالشعب مسؤول عن إختيارة، و الجميل في الديموقراطية أنها توفر للشعب خيار تصحيح الأخطاء في كل فترة إنتخابية جديدة. فلذلك أدعوا المجتمع المصري لإحترام قرار الشعب و عدم المبالغة في التشاؤم و السوداوية التي نشر الإعلام ثمارها و زرع المجتمع أشجارها. فيتوجب على الجميع تفهم موقف الرئيس مرسي الصعب في نزع سلطاته المشروعة من المجلس العسكري، وإعطائه فرصة كافية لكي يثبت رؤيته و

مشروعه الذي كان عنوان حملته الإنتخابية. و ننظر إلى الأمام المشرق الذي ينتظر مصر العروبية القائدة التي طالما إنتظر العرب عودتها. فمرحلة الإنتخابات إنتهت و بدأت مرحلة البناء و الصف الواحد لبناء وطن قائم على مبادئ الثورة ( عيش- حرية- عدالة إجتماعية).

- اللهم أرحم و أغفر للشهداء و أرواحم الزكية التي تحوم حول نسائم الحرية و العدل، هذه الأرواح التي لولاها لما قامت ثورة و لا أسقط نظام. سلم الله مصر و شعبها العظيم الذي أثبت أن الحرية تؤخذ  و لا تطلب. حما الله الوطن العربي من شرور الفاسدين و الطغاة..


لا تزور….

الأيام الفائتة شهدت زيارة كلاً من الشيخ الحبيب علي الجفري و مفتي مصر الشيخ علي جمعة لمدينة القدس والتي أكدوا فيها أن السلطات الإسرائيلية لم تختم على جوازاتهم وهذه الزيارة بالتأكيد أحدثت جدلاً واسعاً من قبل المسلمين أو الشرق أوسطيين على وجه الخصوص، وكما يعرف الجميع أن أساس العرب هو ” الإختلاف ” فإنّ الناس انقسمت إلى فسطاطين، الفسطاط الأول هو الذي بالطبع رفض هذه الزيارة بشدة و شبهها بأنها تطبّع و إقتناع بوجود دولة إسرائيل. أما الفسطاط الآخر الذي رضي بهذه الزيارة بل ولا يجد حرج في الذهاب إلى القدس لإيمانه أن القدس هي أرض عربية ونسيانها أو هجرها بحجة التطبيع هو عمل يخدم دولة إسرائيل نفسها ولا يخدم القضية بأي شكل من الأشكال.

قبل الخوض في المسألة بشكل تفصيلي، علي أن أقول أنّ مسألة زيارة القدس كانت ولا تزال مسألة خلافية من الطراز الأول على المستوى الفقهي و على المستوى المجتمعي أيضاً، و أنّ كل طرف له رأي يؤخذ ويرد عليه. فسأبدأ بسرد أسباب التأييد و الرفض ثم أترك لك عزيزي القارئ الخيار في إختيار الرأي المناسب بعد التفكير و التدقيق….

أولاً: الرفض

- بما أن فلسطين محتلة ، والواجب ليس زيارتها وإنما تحريرها وتطهيرها من دنس الصهاينة ، فإذا عجزنا عن تطهيرها فاالأولى لنا مقاطعة من يستولوا عليها فلا ندخل سفاراتهم ولا نطلب الإذن منهم ليسمحوا لنا بالدخول أو عدمه و هذا هو أهم سبب لرفض أغلب العرب لموضوع زيارة القدس و هي تحت الإحتلال الإسرائيلي الصهيوني. كما أن الدخول إلى السفارات الإسرائيلية يجعل وجودهم معتاداً عليه وبالتالي نعتاد على بقاء هذا الإحتلال الغاشم على أرض فلسطين.

- وكما أجمع أغلب العلماء على تحريم التطبيع شرعاً، وطال هذا الرفض علماء فلسطينيين وامتد أيضاً إلى حركات جهادية فلسطينية، و رجح هذا الرفض إلى أنّ الحصول على تأشيرة دخول منهم تدعم فعل التطبيع وهذا يعني دخول المسلم فيما حرمه أغلب جمهور العلماء، بالإضافة إلى الدعم المادي الذي يقدمه طالب تأشيرة الدخول و ما يدفعه من رسوم للحصول على التأشيرة. فالدخول الحقيقي والشرعي إلى بيت المقدس هو دخول المجاهدين الفاتحين وغير ذلك من أنواع الدخول هو تطبيع و رضوخ لأوامر الإحتلال.

ثانياً: التأييد

- قد يرى المجيزون أو المؤيدون لهذا النوع من الزيارات أنّه دعماً معنوياً لإخواننا في فلسطين وأخص بالذكر أهل القدس الشريف، لأن زيارة العرب والمسلمين لهم ترفع من معنوياتهم و تزيد من صمودهم و رباطة جأشهم، بالإضافة أنّهم في أمس الحاجة إلى زيادة الأعداد والحشود ليصمدوا أمام العدو الصهيوني و يؤكدوا أنّ العرب لم ولن ينسوا أن القدس هي أرض عربية و أنّ عودتها للعرب هي مسألة وقت ليس أكثر.

- إنّ تعدد و زيادة الزيارات العربية إلى القدس الشريف تجعلها قضية متداولة إعلامياً أمام العالم لإثبات الأحقية العربية لها، و هذا الأسلوب يعتبره الكثير أسلوب جديد في بداية مشروع تحرير الأقصى، فهذا المنطق من المطالبات بالحق هو منطق فعال لمن يعرف كيف يستعمله، و القارئ في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي يعرف جيداً أهمية هذا الأسلوب وكيف أنّ الصهاينة أنفسهم كانوا ومازالوا يجمعون الحشود اليهودية من جميع أنحاء العالم لإثبات حقهم في الأرض الفلسطينية. هذا النوع من الزيارات لا يعني بالضرورة الإعتراف بدولة إسرائيل بل كل مافي الأمر هو عبارة عن تصريح دخول لتحقيق مصلحة أكبر وهي حماية المسجد الأقصى من كل أعمال التخريب و تغيير المعالم و أيضاً سيزيد أعداد المسلمين فيها.

- المتابع للقضية الفلسطينية يرى دور الحركات و الجمعيات الحقوقية العالمية في الذهاب إلى القدس والإصطدام مباشرةً مع قوات الإحتلال و التنديد والتنكيل بالأفعال الإجرامية، وفي المقابل لا نجد حركات عربية تقوم بنفس ما يفعله الأجانب الذين لا ينتمون بأي حال من الأحوال إلى فلسطين أو العرب من الأساس، كل مافي الأمر هو إيمانهم الكامل بأن الأرض هي حق فلسطيني و لإيمانهم أيضاً بأن في هذه الأرض حقوقاً قد أنتهكت و دماءً قد أسيلت.

تجربتي الشخصية في دراسة الصراع العربي الإسرائيلي مكنتني من مقابلة طلاب من جميع الأطراف و أقصد هنا بالطرف الفلسطيني والإسرائيلي، و كنت أستشف شعور الفلسطينيين بالتجاهل العربي لقضيتهم لأنها أصبحت من المسلمات أو من الأمور المفروضة على العرب خصوصاً الأجيال الشابة، فالشاب العربي يعرف أن هناك إحتلال إسرائيلي ولكن لا يعرف حيثياته ومدى أثره السلبي والدموي على الفلسطينيين، أنا لا اقصد هنا أن زيارة القدس فقط هي التي ستنمّي حس ” التحرير ” لدى المواطن العربي و لكن شعور الشباب العربي أن القدس شيء قريب منهم يتفاعلون معه و يتفاعل معهم هو ما سيبقي هذه الروح و هذه العزيمة في إشتعال مستمر إلى أن يشاء الله و يحين بموعد النصر المؤزر. في المقابل هذا التجاهل العربي يصب بالتأكيد في صالح الطرف الإسرائيلي فهو لا يهمه التحريم أو التحليل في مسألة زيارة القدس على قدر ما يهمه عزل هذه المنطقة من ذاكرة العرب كما نجح نسبياً في عزلها من ذاكرة العالم، إذ أنّ إسم ” فلسطين ” غير موجود على الخرائط العالمية، وهذا الإنتزاع الصوري أدّى إلى نسيان الأجيال الجديدة بأن هناك دولة قد أُحتلّت إحتلال بربري و كل ما يعرفونه هو دولة إسرائيل الحديثة المزدهرة الديموقراطية المناضلة من أجل إكتساب حقوقها المسلوبة.

- أثناء دراستي بأميركا كنت أشعر بالغبن والشؤم كلما وجدت إعلان عن رحلات ستقوم بها الجامعة إلى تل أبيب والقدس، و كنت أجد إقبال كبير من الطلبة على هذه الرحلة خصوصاً لما تقدمه إسرائيل من تسهيلات و برامج تاريخية  ترفيهية، بل و حتى نبذة عن نمو الإقتصاد الإسرائيلي و خلق فرص عمل و إستثمار لزيادة الإقبال العالمي على المنطقة. و كنت أتسائل، من الأحقّ بزيارة هذه الأرض الطاهرة ؟؟؟


شئنا أم أبينا

في أوائل القرن التاسع عشر بدأ محمد علي باشا بناء الدولة المصرية الحديثة، وقد رأى والي مصر و صاحب عصر النهضة الأول أن بناء دولة قوية إقتصاديا و عسكريا يحتاج إلى قاعدة تعليمية متينة و متوازنة. بدأ محمد علي باشا بدراسة التعليم في مصر ذلك الوقت، وجد أن مصر تعتمد إعتماداً كلياً على الكتاتيب التي تعلم الأطفال القراءة والكتابة و أصول الدين سواء كان إسلاميا أو مسيحيا و بعض المسائل الحسابية المفيدة في الحياة اليومية. كانت هذه الكتاتيب تتيح الفرصة للطلبة دخول الأزهر لتعلم الدين و أصول اللغة العربية. في هذه الأثناء كان التعليم الأوروبي  متطور جداً في جميع المجالات العلمية والهندسية والطبية بل و حتى المجالات الفنية و الحرفية. و لإيمان محمد علي باشا أن النهضة لا تقام إلا بالتعليم قرر في  البداية إنشاء مدارس تعلم الأطفال العلوم الحديثة ليجاروا فيها العصر. بعد ذلك قام والي مصر بأقوى خطوات النهضة العلمية و هي إرسال الطلبة المصريين إلى أوروبا لتلقي جميع أنواع العلوم و الفنون لينقلوا الحضارة الأوروبية الحديثة إلى مصر و بعد ذلك تحصل مصر على الإستقلال العلمي والثقافي و لا تحتاج لإستيراد مدرسين من الخارج، فكان نتاج هذه البعثات جهابذة الأدب و التعليم والحداثة أمثال: علي مبارك الذي تخرج من القاهرة ثم ذهب إلى فرنسا و بعد عودته شارك في بناء النظام التعليمي الحديث ثم أنشأ دار الكتب المصرية الذي كان يعرف وقتها “بالكتبخانة”. كان محمد علي باشا يواجه هجمة من بعض سكان مصر الذين إعترضوا في البداية على فكرة إبتعاث المصريين لأختلاف دول الإبتعاث عن مصر ثقافياً و دينياً، فكان الخوف على شبابهم من الضياع في بلاد الفرنجة و الإنحراف الخلقي بدلاً من تلقي العلم والعودة بالشهادة المرجوة من المبتعثين. فقرر والي مصر إرسال أئمة مع الطلاب ليكونوا عوناً لهم في دينهم و دنياهم و ليثبتوهم على الطريق المستقيم كلما مالوا عنه. و كان أول إمام رافق أول مجموعة من المبتعثين هو رفاعه رافع الطهطاوي الذي كانت وجهته إلى فرنسا، إستفاد رفاعه من الحياة في فرنسا و قد تعرف وأطلع على الحضارة والثقافة الأوروبية التي عكست حتما على درجته العلمية فعاد إلى مصر و أصبح رائد الترجمة و ناظر لمدرسة “الألسن”  وأصبحت هذه القامة الفذة  رمزاً من رموز الحداثة والتنوير آنذاك. لقد عكست هذه التجربة على المجتمع المصري ثقافةً وعلماً، فأصبح أكثر تنويراً و تعليماً، ثم أدت هذه المرحلة المهمة من تاريخ مصر في بداية ظهور المطابع الورقية للكتب، لاحقاً تطور النشاط لتنشأ أول صحيفة ناطقة بإسم الحكومة و هي صحيفة ” الوقائع المصرية ” وبذلك تكون أول صحيفة عربية منتظمة.

و في عام ٢٠٠٥ بدأ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز  ثورة التعليم في المملكة العربية السعودية على أساس أن العلم هو نهضة الأمم، و لإقتناعه  أيضاً أن الإستثمار البشري هو أنبل و أفضل سبل الإستثمار. أطلق الملك عبدالله مبادرته البناءة بإنشاء برنامج جديد لإبتعاث أبناء و بنات الوطن للخارج للحصول لكسب الخبرات العلمية والثقافية و ليكونوا كوادر و روافد علمية تخدم الوطن في جميع قطاعاته حكوميةً كانت أو خاصة  و بذلك يكون الكادر الوطني السعودي قادر على المنافسة العالمية بإقتدار و حرفية. بدأت الفكرة بأن تمتد فترة الإبتعاث لخمس سنوات قبل أنا تمدد لبضع سنوات إضافية، و كانت جهة الإبتعاث المبدئية هي الولايات الأمريكية نظراً لتقدمها في المجال العلمي و الثقافي، بعد ذلك تنوعت محطات الإبتعاث نظراً لزيادة عدد المبتعثين الذين تجاوز عددهم المائة ألف شاب و شابة، و هذه الإعداد قابلة للزيادة نظراً لحرصه خادم الحرمين الشريفين على أن يستفيد أكبر عدد ممكن من أبناء و بنات الوطن ثم المشاركة في إعادة بناء و هيكلة الدولة علمياً و حضارياً. في بداية الأمر كانت هناك العديد من الأصوات التي عارضت الفكرة بحجة أن الشباب المسلم السعودي ليس بحاجة إلى الإختلاط بأبناء البلدان الكفرة والغير إسلامية بما سيعود عليه بنسيان و تلاشي الوازع الديني والخلق الحسن. ظلت ومازالت هذه الأصوات تعارض هذا المشروع الشامخ الذي سوف يساهم حتماً في إنعكاس تجارب علمية و ثقافية بل و حتى مجتمعية على المملكة العربية السعودية و سيسهم بفعالية في تنمية روح الإبتكار والإبداع نظراً إلى تمازج الأفكار و إنفتاح الأفق الإبتكاري. ولكن الملك عبدالله حفظه الله أصر على أن يكمل مشواره و نهضته العلمية و إستثمار شباب المملكة الذي يمثل نصف المجتمع السعودي، و إتاحة الفرصة له ليتعلم و يبدع ثم ينافس. تواصلت مشاريع النهضة العلمية بإنشاء جامعات على مستوى المناطق بالمملكة العربية السعودية ودعم مجالات البحث العلمي في الجامعات الرئيسية، خطط التقدم العلمي لم تقف بل وقد تنامت و أثمرت عن إنشاء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية لتكون منارة الإلهام والإكتشاف العلمي التي تجمع أحدث الأجهزة و أمهر الخبراء المختصين العالميين المعنيين بتدريب و تعليم طلاب  من المملكة و جميع أنحاء العالم إتخذوا من جامعة الملك عبدالله قبلة لهم في جميع مجالات العلوم والأبحاث تحت مناخ يثير روح الإبتكار و يخرجها لتلامس آفاق الإبداع

نرى أمامنا تجربتين للنهضة والتنوير، الأولى قد أنتهت ونتج عنها مجتمع سليم و متعافي علمياً و حضارياً، كانت القاهرة في ذلك الحين هي المكان الذي تتوافد عليه دول الجوار رغبة في تذوق العلم والثقافة، كما أصبحت عاصمة لتنوع الفكر و الإنفتاح الذي أثرى العالم العربي كله بالمعرفة والتنوير. و أمامنا أيضا تجربة ثانية بدأت و مازالت قائمة، تجربة تغيير مجتمع ثقافياً و فكرياً، بعدما وجد أصحابه أنفسهم بعيدون عن الركب، خطواتهم ثقيلة و بطيئة في وقت أصبحت خطوات من حولنا تسابق الزمن. إن المجتمع السعودي الآن في مرحلة إعادة تشكل لم يسبق له أن مر بها. إن هذه الإعداد الكبيرة التي تجوب العالم رغبة في التعلم و إستحضار إرث ثقافي و علمي ضاع من أيدينا فنسياه و رحنا نلهث و نركض خلف الخرافات والعصبيات القبلية، أصبح قاب قوسين أو أدنى من بداية وتحقيق حضارة علمية و مجتمعية سوف تكون من الصعب السيطرة عليها من قبل أصدقاء الجهل و عشاق الرجعية، إن هذه الجموع العائدة إلى أرض الوطن حاملين أفكار و حضارات من جميع أنحاء العالم قادرين  على صنع الفارق و قادرين أيضا  على تمثيل الوطن في أحلى صوره. إن المغالاة في مهاجمة هذا الشباب القادم من الخارج على إنه كان تحت مشروع ” تغريبي” لتتم السيطرة عليه عقائدياً و ثقافياً هو توحد في الفكر و مبالغة في نظرة سوداوية ظلت ومازالت تلحق شبابنا الراغب في التغيير. لا أدعي نجاح تجربة الإبتعاث مائة بالمائة و لكن كل تجربة لها سلبياتها و معوقاتها سواءً كانت من جهات الإبتعاث أو من المبتعثين أنفسهم، ولكن أكاد أجزم أنها مشروع تنموي سوف نجني ثماره الكاملة خلال العشرة سنوات القادمة، لنجد أمامنا جيل واعي محافظ كافح وناضل من أجل تغيير مكانة وطنه و من أجل العيش بحرية و كرامة.


صدمة إلكترونية

من تابع المواقع الإجتماعية مؤخراً وما حصل فيها من أحداث أظهرت الكثير مما أخفاه الزمن، سواء من محتوى القضايا نفسها أو ردات الفعل التي أعقبت الحدث نفسه، نجد أن الصور الجميلة التي كنا نتغنى بها عن مجتمعنا بدأت بالتلاشي والإختفاء، وأن المجتمع الجميل الذي كنا نحلم به أصبح سراباً، لا أقول هذا الكلام إفتراءً ولكن يجب علينا أن نعلم أن المترسبات الثقافية والخلافية التي ورثناها عن جيل سبقنا لم تختفي أو لن تصعد إلى السماء كتبخر الماء عند تكون السحب، ولكن لن يشفي مجتمعنا من سقمه الثقافي إلا إذا كان هناك نظام تعليمي قوي يزرع في الطفل آداب الحوار و ضرورة إحترام الرأي الآخر، و بعد هذا ينشأ لنا جيل قوي فكريا يؤمن بضرورة الحوار و تقبل الرأي الآخر مهما كان هذا الرأي غريب و معاكس.

هذا ” السعار الحواري ” وأعذروني إذا استخدمت هذه الكلمة لأن هذا هو أبسط ما نوصف به حالنا المحزن المبكي عند وجود أي نقاش ساخن داخل مجتمعنا. وما يزيد الأزمة تأزماً هو عندما تظهر لنا بعض العينات التي تتشدق بالمواطنة والدين ورفع كلمة الله عز وجل، وتبدأ هذه العينات في السب والشتم بل والقذف أحياناً، وتتظاهر أنها هي التي سوف تطهر المجتمع من دنس المخربين والدخلاء، ثم تبدأ بمعالجة الباطل بالباطل و تعتزم أنها سوف تخرج كل هؤلاء ” المتجنسين” الذين أتوا بهذه الأفكار الغريبة والإلحادية . و بذلك يخرج الحوار عن كل آدابه و يصبح أشبه بتراشق ” لفظي ” بين الطرفين يجمع كل البذاءة والدناءة الخلقية ويفتقد لكل صور الحضارة والآدمية.

ما صدمني هو تحول تويتر من ساحة نقاش حضارية إلى  ساحة معركة للعديد من النزاعات الفكرية، فيه أصبحت توزع التهم و تدبر المكائد و يقذف البعض بخيانة الوطن بل وحتى وصل الأمر إلى حد التكفير و الزندقة. الأحداث الأخيرة جذبت إلى تويتر الكثير من رواد المنتديات بل و حتى الفرد العادي، و أصبح هذا الموقع لا يحتوي بعد الآن على النخبة فقط  كما كان يقال . ظهرت الفجوات الواضحة في المجتمع على السطح، كما أصبح واضحاً أمام الجميع أننا نعاني من أزمة حقيقية في الحوار، و تفاقمت هذه الأزمة و بدأت في التضخم مع إزدياد حدة الحوار مع كل قضية تطرح على الساحة، فأصبحت العنصرية هي القاسم المشترك في كل حوار و أصبح الإتهام هو سيد الموقف.

لو نظرنا إلى هذه الأزمة بشكل إيجابي سنجد أن من الطبيعي أن نرى هذا التدني في مستوى الحوار لأنه لم يكن هناك حوار من الأساس، فأتت هذه الساحات الإلكترونية لتحتوي كل ما يشغل المجتمع وكل ما يعانيه أيضاً، واظهرت أيضاً أن مجتمعنا يملك العديد من الإختلافات الفكرية ولم يجد بيئة مناسبة تستوعب كل هذه الأفكار المطروحة و تنمي في المحاور المعنى الحقيقي لجملة ” اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية “. لذلك علينا أن نشعر بالتفاؤل في ظل كل هذا السواد والبذاءة في طرح قضايانا و مناقشتها، لأننا بدأنا نخطوا الخطوات الأولى في فهم ما هو الحوار و ماهي آدابه و ضوابطه.


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.